سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
29
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس
فأتى الينا في جمع كثير ، وموكب كبير ، بالخيل والجنود ، والرايات والبنود ، وصنع وليمة عظيمة ذلك اليوم لنا ولسائر القوم ، فلما كان ضحى خامس وعشرين من محرم الحرام ، دخلنا باكرة مع الراجا بعز واكرام ، ومعنى الراجا السلطان ، ونزلنا بدار الأمير شير خان ، وكان صاحب الديوان ، ورتب لنا أوفر المصروف وأروى بكرمه القلب الملهوف ، فلما كان في بعض الليالي اتفق لنا أمر عجيب يحار فيه اللبيب وذلك ان استاذنا السيد الرئيس المذكور كان مولعا بسماع الغناء ، ويحصل له به التواجد والهناء ، وما زال في بيته أصحاب الآلات على عادة السادة الصوفية ، أهل الأسرار الربانية ، فإنهم قالوا بالاجماع : ان السماع ظاهره فتنة وباطنه عبرة فمن عرف العبرة جاز له سماع السماع فأتي الينا الراجا في بعض الليالي واخبر السيد في أثناء صحبته ان عنده ثلاثة اخوة من المسمعين ليس لهم نظير في صفاء الصوت وحسن اللهجة ومعرفة الانغام ، بالاتقان والاحكام ، وكانوا من أجل المسمعين عند الأمير عالم علي خان ، ابن أخت السيد عبد اللّه خان ، وزير فرخ سير سلطان الهند ، فلما صار القتال بينه وبين الوزير نظام الملك ، وقتل الأمير عالم علي خان ، وتفرقت حواشيه في سائر البلدان ، هرب هؤلاء الاخوة إلى الراجا علي شاه المذكور فأقامهم واجزل لهم العطية وجعل لهم في السنة خمسمائة روبية ، من السكة الهندية ، غير الخيل والكسوة والطعام والاحسان والانعام ، فطلبهم السيد من الراجا ليحيط علما بهم فبعثهم اليه صحبة ابنه الأكبر بادك شاه يعنى سلطان السحاب ، فتذاكر السيد معهم في علم المويسيقي وكان خبيرا ، إلى أن وصلت مذاكرتهم إلى نغم من أنغام الهند يسمى ( ديبك ) - بدال مهملة وباء مثلثة عجمية قبلها ياء تحتانية وكاف ساكنة - وهذا النغم من عجائب الدهر ، وله قصة نذكرها في آخر الكلام ان شاء الملك العلام ، ولهذا النغم شعبة تسمى ( بثمنجري ) - بباء وثاء مثلثتين وميم مفتوحة ونون ساكنة بعدها جيم مفتوحة وراء مكسورة وياء ساكنة - وهذه الشعبة أيضا من العجائب وقل من يعرفها إلا من كان خبيرا بعلم الموسيقي ، فقال أولئك الأخوة : نحن نحن